من أسرار السعادة والتوفيق عند السلف .. حقيقة لا مبالغة

الوِرْد أو الحِزْب: مقدار مُحدّد من العبادة يُلزم المسلم به نفسه

العبادة قد تكون (صلاة نافلة، تلاوة قرآن، ذكر لله باللسان ...)

التحديد قد يكون من حيث العدد (عشر ركعات نافلة، ثلاثة أجزاء من القرآن، مائة تسبيحة ...)، وقد يكون من حيث الوقت (ساعة، نصف ساعة ...)

هذا التحديد لا يراد منه تفضيل العدد أو المدة! وإنما يراد منه مراعاة قدرة النفس وحملها على بذل ما تستطيع من الجهد

حكم هذا الفعل: أمر مشروع لا يدخل في البدعة ولا محظور فيه، بل كان يفعله معظم السلف كما هو مذكور في كتب السير والتراجم

الإلزام: يراد به إلزام النفس لا الناس، ثم لا يعني الوجوب الشرعي بل المقصود منه حث النفس على الفعل ومنع التهاون

فائدته: تعويد النفس على الطاعة؛ فالنفس إذا تُركت كسلت، ولذا كان مما يقال في تراجم السلف أن أحدهم لا يكاد يترك ورده، بل يحزن ويتألم إذا نام أو غفل عنه

أقترح: أن يبدأ الواحد منا مع نفسه ويحملها على ما تطيق من العمل ولو قلّ، ولو جرب أحدنا (ربع أو نصف ساعة) لوجد خيرا كثيرا

ستجد للمحافظة على (الورد اليومي) أثرا عظيما في حياتك، مع أنه لا يكلف الكثير من الوقت (ربما نصف ساعة من كل يوم)، والنفس غالبا تحتاج لتحديد وإلزام وإلا فلن تتعود ولن تجتهد

من الأذكار الواردة في السنة:
1. سبحان الله وبحمده (مائة مرة)
2. سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
3. سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر
4. لا إله إلا الله
5. الحمد لله
6. رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا
7. الاستغفار
8. أذكار الصباح والمساء الدخول الخروج النوم

ومن العبادات اليومية:
1. قراءة جزء من القرآن (أو أقل أو أكثر)
2. صلاة الوتر (ولو بركعة واحدة) ولو بعد صلاة العشاء مباشرة ولو في المسجد المهم المداومة عليها
3. الدعاء والتضرع لله تعالى

مناقشة علمية هادئة لـ 18 مسألة متعلقة بحُكّام المسلمين


كتاب
وجادلهم بالتي هي أحسن
مناقشة علمية هادئة لـ 18 مسألة متعلقة بحُكّام المسلمين

الكتاب يصلح
لمن لديه إشكالات تتعلق بالحكام
ولمن يتعرّض لمناقشة من عندهم شبهات



لتحميل الكتاب

إذا أردت معرفة الفرق بين العوامّ والمتحزّبين؛ فاقرأ هذه الأسطر


حصل لي موقف عجيب في إحدى الولائم، أثّر في نفسي كثيراً، أرشدني لشئ كنت عنه غافلاً وأظنه يخفى على كثيرين مثلي

نظراً للزحام الذي يكون في الولائم فالمعتاد أن يكون هناك أكثر من مجلس، الرئيسي للكبار سناّ ومجلس آخر للصغار، وكلما زاد عدد كبار السن كلما اضطرّ أحد الصغار لمغادرة المجلس الرئيسي، إلى أن يمتلئ المجلس الثاني بالشباب وصغار السن، ولا أذكر أنني غادرت المجلس الرئيسي، أحيانا لعدم الحاجة لمغادرتي، وأحياناً لا يُسمح لي بالذهاب لمجلس الصغار

ذات وليمة! ازدحم المجلس جداً، خرجت سريعاً قبل أن يراني أحد، سلّمتُ على الصغار ثم جلست، إنها المرة الأولى التي أجلس بينهم

التفت إليّ أحدهم وطرح سؤالاً عن (المسح على الجورب) فأجبته على سؤاله، طلب أحد الحضور إعادة الإجابة فأعدتُ السؤال والجواب مرة أخرى، لم تمض دقيقة واحدة حتى اجتمع الشباب والصغار حولي بين سائل ومستمع، كان السائل يحفظ الجواب ويعيده مرة أخرى ليُؤكّد أو يُصوّب فَهْمه، أصبحت الجلسة وكأنها درس فقهي، ثلاثون سؤالاً في المسح على الجوارب، ناهيك عن حفظهم للمسائل وفهمها وطرح بعض الأمثلة والتطبيقات عليها

رجعتُ بكثير من الفوائد التي لا تزال في نفسي حتى هذه اللحظة، سأحدثك عن بعضها

الفائدة الأولى: العوامّ (أهل الفطرة)، أحرص على دينهم من كثير من المجادلين ولو طالت لحاهم، فأسئلتهم مفيدة وعقولهم نقية واستجابتهم سريعة

الفائدة الثانية: أهل الفطرة يسألون ليفهموا الدين ويعرفوا مراد الله ورسوله، وغيرهم يسأل ليفهمك أنت ويعرفا توجّهك ويحكم عليك

الفائدة الثالثة: أهل الفطرة يسألون ليعملوا ويمتثلوا ما تعلّموه، أما غيرهم فيسأل ليجادل وينتصر لنفسه أو حزبه أو لمن يتعصّب له

الفائدة الرابعة: أهل الفطرة يستجيبون للنصوص ولا يجرؤون على الاعتراض على الحديث، أما غيرهم فلا مانع عنده من الاعتراض على الحديث لمجرد أنه سمعه من خصمه

الفائدة الخامسة: أهل الفطرة إذا ذكّرتَهم بالله تذكّروا وخشعت قلوبهم وسكنت أنفسُهم، أما غيرهم فمهما وعظتَه فالأصل أنه لا يقبل منك لأنك لست من حزبه إلا أن يشاء الله

فلنحرص على أهل الفطرة النقيّة، ولا ننشغل عنهم بمجادلة المعاندين

قضية التحذير من أهل البدع .. كما يراها الصحابة

نوافذ على منهج الصحابة الكرام رضي الله عنهم في التعامل مع البدع وأهل البدع، حريّ بنا تأمل هذه الأسطر لمعرفة الفرق الكبير بيننا وبين ذلك الجيل الذهبي الذي ينطلق من الغيرة على الدين لا من الغيرة على الأسماء وتقديس الرجال


قالت معاذة العدوية رحمها الله: سألتُ عائشة رضي الله عنها: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟! قلت: لستُ بحرورية ولكني أسأل! قالت: كان يُصيبنا ذلك فنُؤمر بقضاء الصوم ولا نُؤمر بقضاء الصلاة .. رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم .. والحرورية فِرقة من فِرَق طائفة الخوارج المبتدعة


النافذة الأولى

أهمية التحذير من البدع ولو كان السؤال عن الطهارة .. فأمّنا عائشة رضي الله عنها حذّرت من الخوارج مع أن السؤال كان في الفقه .. وبعض الناس يقول: (الدرس درس فقه فلا تتحدث عن أهل البدع ولا تُحذّر منهم)!


النافذة الثانية

الإنسان قد يَعتبر بالقرائن .. فأمّنا عائشة رضي الله عنها شكّكتْ في السائلة فوجّهت لها السؤال (هل أنتِ منهم)؟ .. كل هذا لمجرّد أنها أوردت إشكالاً يورده الخوارج .. وبعض الناس يرى من الرجل أقوالاً (وليس مجرد تساؤلات) تشابه أقوال أهل البدع ومع هذا يقول: (هو من أهل السنة)! ويعتذر له

النافذة الثالثة

الرد على من ينكر تصنيف الناس (سني، بدعي، سلفي، مبتدع، خارجي ...) إلى غير ذلك من الأسماء والأحكام .. فأمّنا عائشة رضي الله عنها أطلقتْ لقب (الحرورية) .. وبعض الناس يغضب ويقول: (دعونا من الأسماء والأحكام؛ فقد فرّقتم المسلمين)!


النافذة الرابعة

يجب على المرء إذا اتُّهم بشيء أو نُسبت إليه بدعة وهو برئ منها؛ أن يردّ عن نفسه ويبيّن موقفه .. فأمّنا عائشة رضي الله عنها لمّا شكّت في أمر المرأة وجّهت السؤال لها، فقامت المرأة بالدفاع عن نفسها ونفت أن تكون من هذه الفرقة .. ونحن نرى بعض الدعاة تدور حوله الشكوك ويُسأل عن موقفه الصحيح الواضح من بعض القضايا؛ فلا يُجيب! ولو كان بريئاً من هذه الاتّهامات للزمه أن ينفي عن نفسه كما ينفي عن نفسه الأخبار والشائعات الدنيوية


النافذة الخامسة

أهمية التعرّف على الفرق والطوائف للحذر منها ومن أهلها، وأن التحذير من الأهواء والبدع كان منهجاً شائعاً معروفاً عند الصحابة رضي الله عنهم .. فهذه المرأة مع عدم علمها بهذه المسألة الفقهية إلا أنها تعرف ما هي الحرورية وتعرف أنها فرقة ضالة ولذلك بادرت إلى البراءة منها .. وبعض الناس يقول: (أشغلتم الناس بالتحذير من البدع وأهلها ولو علّمتموهم مسائل الفقه لكان أولى)!


هذه الفوائد سمتعها بعضها من أحد طلاب العلم الفضلاء ونقلتها بعبارتي

ثورةٌ عن بُعْد

لا يشك عاقل أننا نعيش عصر تنوّع الوسائل، بل تغيّر المفاهيم! حتى الثوابت؛ أصبح هناك ما يزاحمها.. حوار، ثقافة، معرفة، سعة أفق، تقبل الآخر، ... إلى آخر تلك (الشعارات) التي صُمّمت خصيصا لتعكير صفو المباديء ولإذابة المُسلّمات
 
في عصرنا المبْهِر.. أصبح التمسّك بالأصالة تحجّراً وتعصبا، والتقلّب في أودية العقل انفتاحاً ووعياً؛ ولو كان المرءُ لا يدري عن تقويم الأسنان هل هو هجري أم ميلادي؟

في عصرنا الجميل.. أصبح الإنجاب وتكثير النسل من النوافل! المكروهة!! بينما (الوايرلس) من الأساسيات التي يوصف من لا يملكها بالمسكين ويقال حال الإشارة إليه بالبنان: وين عايش؟

في عصرنا الرائع.. أصبحنا نتسوّق عن طريق الانترنت، ونصل أرحامنا إلكترونياً، ونستفتي الشيخ (قوقل)، ونتحاكم عند النزاع لمحركات البحث

في إحدى حالات الاسترخاء النادرة في حياتي؛ عادت بي الذاكرة لذلك الذي كان (يداوم) أمام الفاكس الساعات الطوال ليرسل ما كان يسمى وقتها بـ (فاكسات المسعري) والتي صدرت الفتاوى بتحريم تصويرها ونشرها

كما تذكّرتُ (الصحيّح) الآخر (الفقيه) حينما كان (يترزز) أمام برنامج المحادثة (البالتوك) ليعلن للعالم المكون من ثمانين (يوزر) خطته الذهبية لإنقاذ شعب الجزيرة العربية الذي لم يستنجد به أصلاً

ولا أنسى تلك الطائفة من الحجاج التي كانت تستخدم الأدوات الحادة في الترحيب بالناس بالطريقة التي يسِمُون بها جباههم حزنا على مَن قُتل بسببهم

إن مفهوم الثورة الآن تحوّل من الطريقة القديمة التي تعتمد على المواجهة، والتي تنتهي غالبا بـ (الإركاب) في سيارة جيب آخر موديل و (الإيداع) الفوري في فندق لا يُطلّ على شيء، إلى الطريقة الجديدة (الثورة عن بعد) أو (الثورة الإلكترونية)

فيما مضى.. ابتُلينا بقنوات تنشر السحر والكهانة، وتحت شعار (نُخرجك من ملة الإسلام على الهواء مباشرة وأنت في بيتك) ويتم ذلك بمجرّد اتصال (قصير) بالأستوديو ومخاطبة (كبير الجسم صغير العقل) وسؤاله عن أمور الغيب ومن ثَمّ تصديقه

نحن اليوم نعيش الواقع نفسه مع قضية أخرى من قضايانا، فقط اختلفت القضايا واتّحدت الوسائل

صار بمقدورك إعلان التمرّد والعصيان، وأنت في بيك وأمام شاشة جهازك تتناول كرواسون الجبن والزعتر

بإمكانك تسيير مظاهرة إلكترونية وتحريك مسيرة عن بعد والهتاف بشعارات الثورة وأنت ملتزم الصمت

تستطيع تعبئة الجماهير ونشر البغضاء والتحريض على الانفلات وأنت قابع (بكل براءة) في غرفتك المطلة على حديقة يرفرف فيها علم الوطن

ربما تساهم في خلق فجوة بين المواطن والقائد في الوقت الذي تحتفل فيه باليوم الوطني لبلادك وتقوم فيه بطلاء وجهك باللون الرسمي لوطنك

في ظلّ الثورة بمفهومها الجديد؛ يُتاح لك الجمع بين شخصيتين بينمها مسافة قصيرة جداً لا تتجاوز (فقط) ما بين المشرقين؛ شخصية عاشقة للوطن متفانية في خدمة البلد مخلصة للمليك، وشخصية تضرب من تحت الحزام!

هذا التوجه ظهر جليّا في فيديوهات النصائح (الرقيقة للغاية) والتغيريدات (العذبة جدا) التي يقوم ببثّها ونشرها بعض (مشاهير)  الفكر حول الوطن وهموم المواطن، والتي يكون لها بالغ الأثر في ترسيخ مبدأ الكراهية نحو الوطن وكل ما يمتّ للوطن بصلة

في نظري القاصر أحيانا (إلا هذه المرة!): يخطيء من يظنّ أن الضغوطات قد تُرغم صنّاع القرار! فإن أصغر شوارع أحياء مدينتك (على سبيل المثال) يشهد بأن المراهق في هذا العصر عنده الاستعداد أن يفقد أي شيء إلا أنه لا يتنازل على أطنان الكبرياء والعناد التي يحملها في قلبه! فما بالك بالرجل الكبير؟ بل ما بالك بالمسؤول؟ .. الإجبار والإكراه لغتان لا أحد يحبهما ولا يستجيب لهما، والواقع خير شاهد

بقي أن أوجه كلمة للشباب الذين أنا أحدهم! فأقول: 

يشهد الله أنني لا أفرح بالمشكلات؛ لكننا أمام أمر أكبر من ذلك كله، نحن أمام نعم حبانا الله إياها؛ يحسدنا عليها القاصي والداني، والمرجو منّا أن نعرض مطالبنا بطريقة لا تخرق المجتمع ولا تتعارض مع مبدأ المحافظة على النعم، تلك النعم التي لو لم نؤدّ شكرها (لله) تعالى أولاً ثم (للمتسبب) فيها ثانياً فإنا والله نخشى زوالها، وهذا مصداق ما في الكتاب العزيز

* رسائل مباشرة: 
انتقاد الأسلوب لا يعني عدم الاكتراث بالمشكلة
الحرص على الطاعة مبدأ شرعي أصيل وليس مبالغة ولا مداهنة
التغافل عن نعم الله أول مداخل الشيطان في صرف الناس عن الشكر

* ومما جاء في المعين الصافي: 

قال صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لا يُكلّمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم؛ ... ورجل بايع رجلا لا يبايعه إلا للدنيا فإن أعطاه ما يريد وفى له وإلا لم يف له) رواه البخاري ومسلم

وقال حذيفة رضي الله عنه: (والله! ما فارق رجل الجماعة شبراً، إلا فارق الجماعة)

وقال عبد الله بن عكيم رضي الله عنه: (لا أُعين على قتل خليفة بعد عثمان) قيل له: وهل أعنت على قتله؟ قال: (إني أعدّ ذكر مساوئه من الإعانة على قتله)

أسأل الله أن يوفقنا لحسن المطالبة ونحن أهل لذلك، ويوفق حكامنا لحسن الأداء وهم أهل لذلك
 

وصفة أبي ذر للشغوفين بالرياسة


"ما أقلّت الغبراء (=الأرض) ولا أظلّت الخضراء (=السماء) من رجل أصدق لهجة من أبي ذر" أخرجه ابن ماجه وصححه الألباني

لئن أطاق الناسُ الصعاب؛ فالقليل منهم من يطيق مجاهدة النفس، وأعظم هؤلاء من ينتصر على ذاته ويُخضعها لمراد الله ورسوله، تلك هي الرسالة الخالدة التي رسّخها أبو ذر في أمة محمد قبل أن يلقى ربه

وإليك التفاصيل .. 

كأي رجل يتطلّع لمعالي الأمور؛ تاقتْ نفسه رضي الله عنه للإمارة، وبما أنه صادق اللهجة لا يعرف الخداع فقد صارح النبيَّ صلى الله عليه وسلم بهذه الأمنية، ففي صحيح مسلم أنه قال: قلت يا رسول الله ألا تستعملني؟ فضرب بيده على منكبي ثم قال: "يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها

لم يقف الأمر عند هذا الحدّ بل كلفه النبي بأمر أشدّ من منعه من الإمارة، فقد أوصاه بأن يسمع ويطيع ولو لعبد حبشي! أخرجه مسلم

من الطبعي جداً ألاّ يُراجع أبو ذر النبيَّ صلى الله عليه وسلم بعد هذا الحديث، وألاّ يُكرّر المطالبة، ولا حتى تلميحاً، لكن الأمر غير الطبعي، والذي لا يُقوى عليه إلا الكبار: أن يتغلّب على ذاته ويمحو هذه الأمنية من قائمة اهتماماته

فبقدرة الله تحوّل الرجل الراغب في الإمارة إلى رجل زاهد في الدنيا بأسرها، مدرسة في طاعة ولي الأمر، انظر للتاريخ المشرق وهو يحفظ له موقفاً تفوح منه رائحة السنة ويتجلّى فيه صدقُ الاتّباع، فما أن ظهر الخوارج على عثمان حتى دخل أبو ذر على عثمان قائلاً بعفويته وصدق لهجته: أظننتَ أني منهم؟ لا والله ما أنا منهم ولا هم مني، والله لو أمرتني ان أحبو لحبوتُ، ثم استأذنه أن يغادر إلى الربذة (بين مكة والمدينة) فأذن له، فانصرف

وأعجب من هذا أن يأتيه بعض أهل الكوفة وهو متوجّه للربذة، فيعرضون عليه أن يَنصب لنفسه لواءً (شيء يشبه البيعة أو العهد) ليجتمع إليه الناسُ! .. أبا ذر، صاحبَ رسول الله، هاهي الفرصة تأتيك، وهاهي الإمارة تتطلّع لك بعد أن كنتَ تتطلّع لها، فما أنت فاعل؟

ثبت المدرسةُ أبو ذر ثبات الرجال، نهاهم، وقال: لا تعرضوا علي ذاكم، ولا تذلّوا السلطان، فإنه من أذلّ السلطان فلا توبة له، والله لو صلبني على أطول خشبة أو حبل لسمعتُ وصبرتُ ورأيتُ أن ذلك خير لي 

أراد الله بحكمته أن يتجدد الابتلاء مرة أخرى، هاهو الرجل الذي تطلّع للإمارة يوماً من الدهر؛ يدخل الربذة فيتفاجأ بعبد حبشي أميراً لعثمان في الربذة، ومن العجيب أن يكون دخوله في وقت صلاة، يهمّ الأميرُ أن يُقدّم أبا ذر ليصلي بالناس، يمتنع أبو ذر ويقول: إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً مُجدّع الأطراف (الحديث أخرجه البخاري ومسلم)

وأعجب من هذا؛ أن تنتقل السنة من قلب أبي ذر ولسانه، فتتجلى واقعاً عملياً في مواقفه، قال أبو العالية: قلت لعبد الله بن الصامت: نُصلّي يوم الجمعة خلف أمراء؛ فيؤخرون الصلاة، فضرب فخذي ضربة أوجعتني وقال: سألتُ أبا ذر عن ذلك، فضرب فخذي وقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: "صلّوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم نافلة"، قال أبو العالية: وقال عبدالله: ذُكر لي أن نبي الله صلى الله عليه وسلم ضرب فخذ أبي ذر (أخرجه مسلم) 

ويختم أبو ذر رضي الله عنه مسيرته في الربذة، فلا يرثيه إلا زوجته وابنه وخادمه، ودمعةٌ صادقة من عبدالله بن مسعود وهو يقول: صدق رسولُ الله يوم قال: "رحم اللهُ أبا ذر؛ يمشي وحده ويموت وحده ويبعث يوم القيامة وحده"

مات المدرسة ولم يذق طعم الرياسة؛ بل ما شمّ لها رائحة، لكنه أقبل على الله بقلب مؤمن، ولسان صادق، ونفس راضية، وتزكيات مباركات من النبي صلى الله عليه وسلم، مِن أعظمها أن شبّهه بأحد أنبياء الله عليهم السلام، "مَن سرّه أن ينظر إلى تواضع عيسى بن مريم؛ فلينظر إلى أبي ذر" (صححه الألباني)، وفي رواية "مَن سرّه أن ينظر إلى شبيه عيسى بن مريم خَلقاً وخُلقاً؛ فلينظر إلى أبي ذر"

يا من قضيتَ عمرك سعياً للرياسة، يا من أشغلك اللهث وراء السياسة، اقرأ هذه المواقف العظيمة، وابكِ على نفسك بكاء من بعُد عن قول الجبار جل وعلا (وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون)، هداك الله للحق، وأنار بصيرتك بالإيمان، وأضاء حياتك بالسنة