2012/08/04

بين العفو ودفع الدية .. عشر وقفات

.. بعيداً عن العاطفة؛ وإحقاقاً للحق؛ أجدني مضطراً للكتابة في هذا النوع من القضايا الشائكة؛ مُبيّناً ما يلزم بيانه، آملاً ألاّ يُفهم من كلماتي التثبيط عن (العفو والتسامح) والتقليل من فضيلة (السعي في أداء الدية عن القاتل المستحق للفكاك)

.. وصلني مقال لفضيلة الشيخ القاضي (بسام السلطان)؛ فشجعني لكتابة هذه الوقفات، وقد استفدت مما كتبَ مشكوراً

.. لستُ أقصد قضيةً مُعيّنةً، بل إن كثيراً من الحوادث التي يتناقلها الإعلام؛ لم أقرأها ولم أطّلع عليها، ثم ليس بيني وبين أحد خصومة ولا مصلحة، بل المراد من هذه الأسطر بيان بعض الحقائق الشرعية والأمور المهمة، ولو أن العلماء وطلبة العلم سكتوا عن بيان الحق مراعاة لأفهام الناس وحذراً من سوء ظنّهم؛ لضاع الحق ولم يجد الناسُ مَن يُبيّن لهم أمر دينهم

الوقفة الأولى: المغالاة في مبلغ الدية أمر غير محمود؛ وهو أقرب للانتقام أو التعجيز منه إلى التسامح والعفو، فما أجمل احتساب الأجر حتى في طلب دية مقدور عليها

الوقفة الثانية: من الآثار السيئة للمغالاة في الدية؛ وقوع الشحناء بين ذوي القتيل بسبب عدم تبرّع بعضهم؛ ولو كان غير قادر، فحبذا لو تُراعى أحوال الناس وطاقاتهم

الوقفة الثالثة: من أسباب المغالاة؛ تدخل بعض السماسرة باسم الوساطة، فينبغي التنبه لهذا الأمر، وعلى الوسطاء أن يحتسبوا الأجر فيما يعملون فما عند الله خير وأبقى

الوقفة الرابعة: عفو أهل القتيل لأجل المال (دون قناعة تامّة بالعفو)؛ قد يوقع عدواة بين أهل القتيل، وربما يتسبب في الانتقام وقتل القاتل بعد خروجه معفوّاً عنه، فعلى الساعي في العفو أن يتنبّه لهذا جيداً

الوقفة الخامسة: جمع التبرعات باسم أداء الدية؛ يدخله كثير من التحايل، فينبغي التحقق من صحّة القضية ونظاميّة التبرع لها قبل ترويجها والدعوة إليها

الوقفة السادسة: وصف السعي في العفو بأنه (عتق رقبة)؛ خطأ؛ لأن عتق الرقبة (شرعاً) يختصّ بإعتاق عبد مملوك حقيقةً، نعم للسعي في العفو عن القاتل (أجر)، وقد يُسمّى (عتق رقبة من القصاص) أو (من القتل)؛ لكن يجب التفريق بين أجر السعي في العفو وبين ما جاء في النصوص الشرعية من فضل إعتاق الرّقاب

الوقفة السابعة: من الأدب (عند التشجيع على المساهمة في دفع الدية) أن نجتنب الكلمات التي تتضمن ادّعاء الظلم أو الطعن في الحكم أو القاضي أو القضاء

الوقفة الثامنة: عندما يثبت للقضاء أن القتل وقع دفاعاً عن العِرْض؛ فالأصل أن مثل هذه الحالات لا يُحكم فيها بالقصاص، فعلينا أن نجتنب مثل هذه الادّعاءات عند التشجيع على المساهمة في دفع الدية

الوقفة التاسعة: وصف (عدم العفو) بالقسوة والظلم؛ أمر خطير، بل في القصاص تطبيق لشريعة الله وأخذ بحق القتيل وأهله، فالواجب عدم توجيه مثل هذه الأوصاف لأهل القتيل لأنهم مطالبون بحقّ من حقوقهم، بل يكون الخطاب معهم بلُغة الإحسان؛ لأن العفو والتسامح من الإحسان

الوقفة العاشرة: مَن اعتاد القتل وتكرّرتْ منه الجرأة على الدماء أو قَتل بطريقة عدوانيّة؛ فقد يكون الأولى تقديمه للقصاص، بل قد يكون العفو عن هذا النوع من القتلة أمراً غير محمود، فعلينا مراعاة مثل هذه الأمور عند التعامل مع القضايا

.. أسأل الله أن يعصمنا من الفتن، وأن يحقن دماءنا ودماء المسلمين، وأن يفرج كربة كل مبتلى، وأن يلطف بعباده الصالحين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق